ابن عربي
75
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
وقوة نسبتها إلى الحق أوجه من طلبها الخلق . ولما كانت الأسماء الإلهية نسبا تطلبها الآثار ، لذلك لا يلزم ما تعطل حكمه منها ما لم يتعطل ، وإنما يقدح ذلك لو اتفق أن تكون أمرا وجوديا ، فاللّه إله سواء وجد العالم أو لم يوجد ، فلذلك قلنا : إنه سبحانه لو رحم العالم كله لكان ، ولو عذب العالم كله لكان ، ولو رحم بعضه وعذب بعضه لكان ، ولو عذبه إلى أجل مسمى لكان ، فإن الواجب الوجود لا يمتنع عنه ما هو ممكن لنفسه ، ولا مكره له على ما ينفذه في خلقه ، بل هو الفعال لما يريد ، ولما كانت الصفات نسبا وإضافات ، والنسب أمور عدمية ، وما ثمّ إلا ذات واحدة من جميع الوجوه ، لذلك جاز أن يكون العباد مرحومين في آخر الأمر ، ولا يسرمد عليهم عدم الرحمة إلى ما لا نهاية له إذ لا مكره له على ذلك ، والصفات والأسماء ليست أعيانا توجب حكما عليه في الأشياء ، فلا مانع من شمول الرحمة للجميع ، ولا سيما وقد ورد سبقها للغضب ، فإذا انته الغضب إليها كان الحكم لها ، فكان الأمر على ما قلناه ، ولذلك قال تعالى ( ولو شاء ربك لهدى الناس جميعا ) فكان حكم هذه المشيئة في الدنيا بالتكليف ، وأما في الآخرة فالحكم لقوله ( يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ) فمن يقدر أن يدل على أنه لم يرد إلا تسرمد العذاب على أهل النار ولا بد ، أو على واحد في العالم كله ؟ فكل ما ذكر في قوله : لو شاء ، ولئن شئنا ، لأجل هذا الأصل ، فله الإطلاق وما ثمّ نص يرجع إليه لا يتطرق إليه الاحتمال في تسرمد العذاب كما لنا في تسرمد النعيم ، فلم يبق إلا الجواز ، وأنه رحمن الدنيا والآخرة ، والأسماء الإلهية منها مشتركة وإن كان لكل واحد من المشتركة معنى ، إذا تبين ظهر أنها متباينة ، فالأصل في الأسماء التباين ، والاشتراك فيه لفظي ، ومنها متباينة ، ومنها مترادفة ومع ترادفها فلا بد أن يفهم من كل واحد معنى لا يكون في الآخر ، فعلمنا ما سمى به نفسه واقتصرنا عليها ، وقيدت الأسماء بالحسنى لدلالتها على المسمى الأسمى . [ سورة طه ( 20 ) : الآيات 9 إلى 10 ] وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى ( 9 ) إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً ( 10 ) « إِنِّي آنَسْتُ ناراً » أي أبصرت نارا ، من آنست الشيء إذا أبصرته ، ويدل أيضا على